لاشك أن الحركة الصهيونية هي منظومة ، وموقف سياسي ، وممارسة عملية تاريخية ، فقد ارتبطت بما يعرف بالمشكلة اليهودية وتداخلت الحدود بينها وبين الديانة اليهودية ، وحرص دعاة الصهيونية على فكرة لا فرق بين الصهيونية واليهودية والإسرائيلية ليصبح مركباً واحداً يستحيل التفرقة بين الصهيوني واليهودي والإسرائيلي وقد بدأت الفكرة الصهيونية تشغل فكر « بنيامين زليف تيودر هرتسل » ، وهو من أصل مجري يدين الديانة اليهودية عام 1894مسيحي ، حيث ذهب إلى باريس بصفته مراسل صحيفة تصدر باسم « نويا فرييه بريس
Neue Freie preseليغطي قضية الضابط الفرنسي اليهودي « ألفريد داريفوس » حول وثائق المدفعية الفرنسية التي وقعت في أيدي الألمان عن طريق ضابط فرنسي سلمها إلى السفارة الألمانية في باريس عام1894مسيحي .. وهذه القضية اعتبرت تاريخياً تجسيداً للمشكلة اليهودية ، وبعد ذلك بدأ المفكر الفرنسي « إيميل زولا » في عام 1898 مسيحي مقالاته الشهيرة المعنونة « إني أتهم » في صحيفة « الفجر » الفرنسية موجهاً إياها إلى الرئيس الفرنسي وقتها « فيلكس فور » ، وانطلقت مظاهرات تدافع عن « داريفوس » واندلعت في مواجهتها المظاهرات الصاخبة في شوارع باريس ترفع الشعارات المعادية لليهود وتدين موقف « إيميل زولا » واحتج المثقفون الفرنسيون ونجحوا في النهاية في إعادة محاكمة « داريفوس » وفي حصوله على البراءة بالفعل وعلى وسام الشرف عام 1906 مسيحي ، ولكن المظاهرات المعادية لليهود تركت آثارها البالغة على عديد اليهود ، وكان أكثر المتأثرين من تلك الموجة المعادية لليهود « تيودر هرتسل » ، والطبيب « ماكس نوردو» الذي أصبح من أبرز قادة « الحركة الصهيونية » ، واللافت للنظر والتاريخ هو أن ذلك الضابط الفرنسي اليهودي الديانة « ألفريد دار يفوس » الذي لعبت قضيته دوراً بارزاً في تاريخ الصهيونية قد رفض استقبالهم انطلاقاً من إيمانه ورفضه للمشروع الصهيوني الداعي إلى انفصال اليهود عن أوطانهم الأصلية و إقامة دولة يهودية على حساب أي شعب آخر.. وحتى هرتزل الذي أصدر كتاباً حول رؤاه عن الدولة اليهودية لم يتشهد في هذا الكتاب بأية نصوص توراتية ، بل حرص على أن اليهود « هوية قومية » ورفض ظهور أي نزاعات ثيوقراطية لدى سلطاتهم الروحية والعمل على إبقاء السلطات داخل الكنيست والمعبد ، وحيث إنه أراد « هرتسل » دولة تشكل تعبيراً « قوميا» عن اليهود منها كل اليهود ، من ثم يتحول اليهود إلى شعب كباقي الشعوب مثل الأوروبيين حسب مفهومه ، أيضاً لم يتعرض الكتاب إلى إحياء اللغة العبرية والسبب أن « هرتسل » لم يتعرف على اللغة العبرية ، ولم يفهمها .
إن من أهم أهداف الحركة الصهيونية هو إقامة دولة مستقلة تجمع اليهود من جميع أنحاء العالم وتخليهم عن بلدانهم الأصلية .. أي أوطانهم القومية الحقيقية ، ومن أهدافها تغيير قوميات هؤلاء اليهود إلى قومية « يهودية » في إطار ديني قومي ، وخلق وطن واحد لجمع شتات اليهود في أنحاء العالم وربطهم بالحركة الصهيونية كونها حركة سياسية تضمن لهم الوحدة القومية وجعل كيان مستقل للدولة تحت اسم « إسرائيل » وعدم التفريق بين اليهودية والصهيونية ، وجعلها كياناً واحداً دينياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ، حيث نجحت الحركة الصهيونية في مرحلة طويلة من أهدافها وهو تأسيس الدولة ولكن يبقى أن هذه الدولة غير قابلة للحياة على المدى البعيد رغم كل الجهود التي بذلت والتي مازالت تبذل من أجل بث روح « الوحدة والتماسك » للمجتمع اليهودي المختلط وغير المتجانس قومياً ولغوياً وثقافياً بسبب تنوعهم وعملية تهجيرهم من كل أنحاء العالم إلى فلسطين المحتلة ، ورغم محاولات الحركة الصهيونية خلق روح الثقافة الواحدة والعادات والتقاليد « الموروث الاجتماعي » الصناعي
ولكن مازال ينقص المجتمع « الإسرائيلي كثيراً من المقومات وهذا يجعل الصراع مستمراً بين الجماعات والأفراد داخل المجتمع « الإسرائيلي » المنصب على تجانسه ووحدته .. هذا ما يجعل الحركة الصهيونية دائماً تبث روح الترويع بالخطر العربي المحدق من حولها .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق